المنجي بوسنينة
138
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
وبعدما أظهر بطلان دعوى التغلبيين أراد أن يحمّلهم تبعة الحرب ، فخاطبهم ، وذكّرهم بما بينهم وبين البكريين من أحلاف وعهود محذّرا إيّاهم من نقضها : فاتركوا البغي والتّعدّي وإمّا * تتعاشوا ففي التّعاشي الدّاء واذكروا حلف ذي المجاز وما * قدّم فيه : العهود والكفلاء حذر الخون والتّعدّي وهل * ينقض ما في المهارق الأهواء واعلموا أنّنا وإيّاكم فيما * اشترطنا يوم اختلفنا سواء ثمّ راح يعيّر التغلبيين بأسلوب ناعم موجع معدّدا هزائمهم ومقتل ساداتهم دون أن يأخذوا بثأرهم : ما أصابوا من تغلبيّ فمطلول * عليه إذا أصيب ، العفاء وبعد أن أوغر صدر الملك عمرو بن هند ضد التغلبيين ذكّره بلطف بأيادي البكريين البيض على المناذرة معدّدا آياتهم وما لهم من الفضل على الحيرة . وجاء في الأغاني : « فلمّا فرغ الحارث من هذه القصيدة حكم عمرو بن هند أنه لا يلازم بكر بن وائل ما حدث على رهائن تغلب » . هكذا استطاع الحارث بن حلّزة أن يفوز بإعجاب الملك وأمه ، فرفعت الستور السبعة التي رفعت لتفصل بينهما وبين الحارث ، في أثناء إنشاده قصيدته ، بسبب إصابته بداء البرص ، وأجلسه عمرو بن هند إلى جانبه ، وأشركه في طعامه ، وكافأه بأن جزّ نواصي السبعين الذين كانوا في يده رهنا من بكر ، ودفعها إليه ولم تزل تلك النّواصي في بني يشكر يفتخرون بها . كان الحارث أعد قصيدته ، ولم يرتجلها جميعها كما زعم البعض ، ورواها جماعة من قومه ، فلم يرضه إنشادهم فقال : « إنّي لا أرى أحدا يقوم بها مقامي ، ولكن أكره أن أكلم الملك من وراء سبعة ستور وينضح أثري بالماء إذا انصرفت عنه » . وفي ذلك يقول طه حسين : « ويكفي أن تقرأ هذه القصيدة لترى أنها ليست مرتجلة وإنما هي نظّمت وفكّر فيها الشاعر تفكيرا طويلا ورتّب أجزاءها ترتيبا دقيقا » . من شعره الحكمي قصيدة كان النضر بن شميّل يستحسنها ويستجيدها ، ويقول : لله درّه ما أشعره . وفيها : من حاكم بيني وبين * الدّهر مال عليّ عمدا أودى بسادتنا وقد * تركوا لنا حلقا وجردا فعش بجدّ لا يضرك * النّوك ما لاقيت جدّا والعيش خير في ظلال * النّوك ممّن عاش كدّا وممّا قاله موصيا ابنه : واعلم بأنّ النّفس إن عمّرت * يوما لها من سنة لاعج كذاك للانسان في عيشه * غالية قام لها ناشج